في تقرير نشرته وكالة الأنباء الإثيوبية «إنا»، يستعرض الكاتب يوردانوس د. تطور العلاقات المصرية الإثيوبية من خلاف حول مياه نهر أباي «النيل» إلى تنافس استراتيجي أوسع يشمل النفوذ السياسي والأمن الإقليمي والوصول إلى البحر والتوازنات الإقليمية في القرن الإفريقي والبحر الأحمر. ويتقاطع هذا التنافس مع تطورات الأوضاع في الصومال والسودان وإريتريا، بالتزامن مع سعي إثيوبيا إلى توسيع قدراتها الاقتصادية وتطوير مواردها المائية واستعادة وصول متنوع إلى البحر.


وبحسب وكالة الأنباء الإثيوبية «إنا»، فإن نمط التنافس بين البلدين يمكن فهمه من خلال الدور التاريخي لسياسات النيل، والتحالفات الإقليمية، والتعاون الأمني، والصراع الأوسع على النفوذ الاستراتيجي في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر. ويقدم التقرير هذه العناصر بوصفها حلقات مترابطة في استراتيجية مصرية أوسع، لا تقتصر على الاعتراض على سد النهضة، بل تمتد إلى محيط إثيوبيا السياسي والأمني والبحري.

 


جذور المواجهة المصرية الإثيوبية


ترتبط جذور التنافس جزئيًا بالجغرافيا، إذ ينبع الجزء الأكبر من مياه نهر أباي من المرتفعات الإثيوبية. واعتمدت مصر، باعتبارها دولة تقع في مصب النهر، تاريخيًا بدرجة كبيرة على النيل الأزرق لتلبية احتياجات سكانها ودعم التنمية. ورغم أن النهر يمثل موردًا مشتركًا يمكن أن يدعم تنمية جميع الدول التي يمر بها، عارض مسؤولون مصريون بصورة متكررة جهود دول المنبع الرامية إلى استخدام مواردها المائية لأغراض التنمية.


وسعت مصر إلى الاستناد إلى اتفاقية النيل الأنجلو مصرية لعام 1929 واتفاقية النيل المصرية السودانية لعام 1959 في إدارة ملف مياه النيل، غير أن أياً من الاتفاقيتين لم يضم إثيوبيا أو دول المنبع الأخرى طرفًا فيها.

 

ويشير تقرير «إنا» إلى أن القاهرة تعاملت مع هاتين الاتفاقيتين باعتبارهما أساسًا تاريخيًا لحقوقها المائية، في حين ترى إثيوبيا أن أي ترتيب لا يشارك فيه جميع دول الحوض لا يمكن أن يفرض قيودًا دائمة على استخدام مواردها الطبيعية.


ورغم محاولات مصر المتكررة استخدام هذه الاتفاقيات أساسًا لموقفها من مياه النيل، فإن الاتفاقات التي أبرمت دون مشاركة دول المنبع، ومنها إثيوبيا، لا تستطيع منع تلك الدول بصورة دائمة من تطوير مواردها المائية. ويعرض التقرير هذا الخلاف باعتباره انتقالًا من نزاع قانوني وفني حول حصص المياه إلى مواجهة سياسية تتصل بحق إثيوبيا في التنمية والسيادة على مواردها.


وشكّل ذلك أحد أسباب بناء إثيوبيا سد النهضة الإثيوبي الكبير، الذي نقل الخلاف التاريخي حول النيل إلى مرحلة جديدة. فالسد، وفقًا للطرح الذي تنقله الوكالة، ليس مشروعًا لتوليد الكهرباء فحسب، بل أداة مركزية في خطة إثيوبيا لتوسيع الإنتاج الزراعي والصناعي وتحسين إمدادات الطاقة وتقليل الفقر، ولذلك ترفض أديس أبابا أن يُنظر إليه باعتباره تهديدًا لمصر أو مشروعًا قابلًا للتفاوض خارج إطار حقها في التنمية.


وتعود التحركات المصرية تجاه إثيوبيا إلى جذور تاريخية عميقة. وربطت دراسات تاريخية بين التدخل المصري والصراع الصومالي الإثيوبي، كما سعت القاهرة إلى توسيع حضورها في البحر الأحمر والمحيط الهندي عبر بناء علاقات مع دول تنافس إثيوبيا وممارسة أشكال مختلفة من الضغوط عليها. ويشير تقرير «إنا» إلى أن هذه السياسة اتخذت أشكالًا متعددة، من الاتصالات الدبلوماسية والتحالفات إلى التعاون العسكري واستثمار الخلافات الإقليمية المحيطة بإثيوبيا.


وواصلت مصر أيضًا التعاون مع دول تحيط بإثيوبيا، ومنها الصومال والسودان وإريتريا، بهدف زيادة الضغط على أديس أبابا. ووفقًا للتقرير، فإن أهمية هذه الدول لا تنبع من قربها الجغرافي فحسب، بل من قدرتها على التأثير في طرق التجارة والحدود وممرات البحر الأحمر والبيئة الأمنية المحيطة بحوض النيل الأزرق.


وفي أغسطس 2024، وقعت مصر والصومال اتفاقية دفاعية وسعت نطاق التعاون العسكري والأمني بين البلدين. وبينما وصف الطرفان الاتفاق بأنه يهدف إلى دعم السيادة الصومالية ومكافحة الإرهاب، أثار توقيته وصلته بالتنافس الأوسع في القرن الإفريقي اهتمامًا في أديس أبابا.

 

وتورد «إنا» أن الاتفاق فُهم في إثيوبيا باعتباره جزءًا من اصطفاف أمني جديد قد يحد من هامش الحركة الإثيوبي في الصومال والبحر الأحمر، خصوصًا في ظل الخلافات القائمة بين أديس أبابا ومقديشو.


كما ترتبط مصر بعلاقات عسكرية طويلة الأمد مع القوات المسلحة السودانية، وأعلنت دعمها للقيادة العسكرية في السودان منذ اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل 2023. ويعرض التقرير هذا الدعم في سياق أوسع من العلاقات التاريخية بين القاهرة والمؤسسة العسكرية السودانية، وليس باعتباره موقفًا منفصلًا عن حسابات مصر المتعلقة بالحدود ومياه النيل.


وتقدم مصر دعمًا عسكريًا مباشرًا للقوات المسلحة السودانية، غير أن العلاقة الوثيقة بين القاهرة والمؤسسة العسكرية السودانية تحمل تداعيات استراتيجية بالنسبة إلى إثيوبيا، لا سيما في ظل الحدود المشتركة بين البلدين، والنزاع حول منطقة الفشقة، وطرق التجارة، والبيئة الأمنية الأوسع لحوض نهر أباي. وترى «إنا» أن استمرار الحرب في السودان يضيف طبقة جديدة من عدم الاستقرار إلى منطقة تتداخل فيها بالفعل قضايا الحدود والمياه والنفوذ العسكري.


وتمثل إريتريا بُعدًا مهمًا بصورة خاصة في مسألة هشاشة وضع إثيوبيا البحري. فقد أتاح ساحل إريتريا على البحر الأحمر وميناءا مصوع وعصب تاريخيًا لإثيوبيا وصولًا مباشرًا إلى البحر. لكن استقلال إريتريا عام 1993 حوّل إثيوبيا إلى دولة حبيسة تعتمد على الدول المجاورة في تجارتها البحرية. ويصف التقرير فقدان الساحل بأنه أحد التحولات الجيوسياسية الأكثر تأثيرًا في تاريخ إثيوبيا الحديث، لما ترتب عليه من ارتفاع تكاليف التجارة وزيادة الاعتماد على الموانئ الأجنبية.


ويرى العديد من المحللين السياسيين أيضًا أن مصر أسهمت في الوصول إلى هذا الوضع، إذ حافظت القاهرة على علاقات مع أطراف إريترية خلال الصراع الإثيوبي الإريتري. وفي إطار ما يوصف بأنه استراتيجية طويلة الأمد، يرد اسم بطرس بطرس غالي أيضًا بين الشخصيات المرتبطة بالتطورات التي أحاطت بانفصال إريتريا عن إثيوبيا. وتعرض الوكالة هذه القراءة باعتبارها جزءًا من السردية الإثيوبية التي ترى أن خسارة الساحل لم تكن نتيجة التطورات الداخلية وحدها، بل تأثرت كذلك بتدخلات إقليمية ودولية.

 


بطرس غالي وسياسات النيل


يرى العديد من المحللين السياسيين أن بطرس بطرس غالي يحتل موقعًا مهمًا في تاريخ العلاقات بين إثيوبيا ومصر. وشغل غالي منصب وزير الخارجية المصري قبل أن يصبح أمينًا عامًا للأمم المتحدة، وكان منخرطًا بصورة وثيقة في السياسة الخارجية المصرية خلال مرحلة شهدت تحولات سياسية كبرى في إثيوبيا وإريتريا.


وينسب بعض المحللين إلى بطرس غالي دورًا مهمًا في انفصال إريتريا عن إثيوبيا. لكن استقلال إريتريا جاء نتيجة عقود من الكفاح المسلح، أعقبها استفتاء على الاستقلال. ومن القاهرة إلى أروقة الأمم المتحدة، دفع سياسيون مصريون باتجاه تسريع انفصال إريتريا، بما مسّ جوهر وحدة الأراضي الإثيوبية. ويورد تقرير «إنا» هذه الاتهامات ضمن تفسير يرى أن القاهرة سعت إلى إضعاف إثيوبيا عبر حرمانها من منفذ بحري مباشر وتقليص قدرتها على التحرك في البحر الأحمر.


وكان بطرس غالي أيضًا من أبرز الشخصيات المصرية المرتبطة بتأطير قضية مياه النيل باعتبارها قضية أمنية. وأصبح تحذيره من أن الصراعات المستقبلية قد تدور حول المياه تعبيرًا بارزًا عن نظرة مصر إلى النيل باعتباره مسألة تتصل بالأمن القومي. ووفقًا للوكالة، أسهم هذا التصور في تحويل الخلاف حول المياه من ملف فني قابل للتسوية إلى قضية سيادية وأمنية تتعامل معها مصر باعتبارها تهديدًا استراتيجيًا محتملًا.


وفي عهد رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي، واصلت مصر سياستها تجاه إثيوبيا مع بُعد عسكري وجيوسياسي أكثر وضوحًا. فعززت القاهرة علاقاتها مع الصومال، وحافظت على روابط وثيقة مع المؤسسة العسكرية السودانية، وأبقت على علاقاتها الاستراتيجية مع إريتريا، في وقت واصلت فيه معارضة موقف إثيوبيا من مياه النيل ومساعيها إلى تنويع وصولها إلى البحر. ويصف التقرير هذه التحركات بأنها محاولة لبناء شبكة نفوذ تحيط بإثيوبيا من جهاتها الغربية والشرقية والجنوبية.


وفي أكتوبر 2024، أصدرت مصر والصومال إعلانًا سياسيًا في أسمرة بحضور رئيس النظام الإريتري، دعا إلى توسيع التعاون وتعزيز القدرات الأمنية الصومالية. ورأت إثيوبيا في هذه الخطوة مساهمة في تشكل اصطفاف إقليمي ناشئ يحمل تداعيات على استقرارها وتنميتها. وتقول «إنا» إن اجتماع الأطراف الثلاثة في أسمرة اكتسب دلالة خاصة لأنه جمع دولًا ترتبط كل منها بملفات حساسة بالنسبة إلى إثيوبيا، من الحدود والموانئ إلى الأمن الإقليمي ومياه النيل.


وتوجه اتهامات إلى مصر أيضًا بالتدخل في الشؤون الداخلية الإثيوبية عبر دعم جماعات معارضة ومسلحة أو الحفاظ على قنوات اتصال معها. ويقدم التقرير هذه الاتهامات باعتبارها جزءًا من مخاوف إثيوبية أوسع من استخدام أدوات غير مباشرة لإضعاف الدولة، بدلًا من الدخول في مواجهة عسكرية معلنة.


واتُّهمت مصر بالتدخل خلال فترات سابقة من الاضطرابات، بما في ذلك اتهامات تتعلق بجماعات مسلحة. ويمكن للدعم الخارجي المقدم إلى أطراف مسلحة أو سياسية، إذا ثبت، أن يزيد حدة الانقسامات القائمة ويطيل أمد انعدام الأمن. وتؤكد «إنا» أن مجرد استمرار هذه الاتهامات يفاقم انعدام الثقة بين البلدين ويجعل أي تفاوض حول المياه أو الأمن الإقليمي أكثر صعوبة.


كما اتُّهمت مصر باستغلال الخلافات الداخلية في إثيوبيا كلما خدمت مصالح القاهرة الإقليمية الأوسع. وقد يؤدي الدعم أو التمويل أو التدريب أو الغطاء الدبلوماسي أو المساعدة اللوجستية للجماعات المسلحة، إذا ثبت وجوده، إلى تعزيز قدرتها على مواصلة الصراع وزيادة الضغوط على الدولة الإثيوبية. ويخلص التقرير في هذا السياق إلى أن الصراعات الداخلية الإثيوبية لا يمكن فصلها، في القراءة التي تقدمها الوكالة، عن التنافس الإقليمي على النفوذ والحدود والموانئ والموارد.

 


الضغط على الاستقرار والتنمية وسباق النفوذ في البحر الأحمر


واصلت مصر اتباع إجراءات يمكن أن تعرقل التنمية الإثيوبية وتزيد الضغوط الاستراتيجية على البلاد. وتعتمد عملية التحول الاقتصادي في إثيوبيا على الطاقة والبنية التحتية والتصنيع وتحديث الزراعة والتجارة والوصول الموثوق إلى الأسواق الدولية. ولذلك، فإن أي اضطراب في البيئة الأمنية أو في طرق التجارة أو في العلاقات مع دول الجوار يمكن أن ينعكس مباشرة على قدرة إثيوبيا على تنفيذ خططها التنموية.


ويمكن بالتالي النظر إلى الاستراتيجية المصرية باعتبارها نمطًا من الضغوط الاستراتيجية التي تتحرك عبر جبهات متعددة، وليس حملة واحدة معلنة بصورة صريحة، وتشمل دبلوماسية المياه والتحالفات الإقليمية والتعاون العسكري والنفوذ البحري والتواصل مع قوى المعارضة الداخلية. ويشير تقرير «إنا» إلى أن فعالية هذا النوع من الضغط لا تعتمد على إجراء واحد، بل على تراكم خطوات صغيرة ومتزامنة تُبقي إثيوبيا أمام تحديات متصلة في أكثر من اتجاه.


لكن إثيوبيا تمكنت من مواجهة هذه الضغوط بالتزامن مع التحديات المرتبطة بمصر وشركائها الإقليميين. وواصلت أديس أبابا التعامل مع نزاع النيل، وإدارة التحالفات الإقليمية والتنافس البحري، والاستجابة للتحديات الأمنية الداخلية، وبناء سد النهضة. كما خططت لإنشاء سدود إضافية في إطار جهودها الأوسع لتطوير مواردها المائية. وتؤكد الوكالة أن إثيوبيا تنظر إلى هذه المشاريع باعتبارها أدوات ضرورية لتوليد الكهرباء وتوسيع الزراعة وتحقيق التصنيع، لا باعتبارها وسائل للضغط على دول المصب.


وتعمل إثيوبيا بقوة أيضًا على استعادة موقعها في البحر الأحمر، الذي يمثل عنصرًا محوريًا ليس فقط في وصولها إلى البحر، وإنما كذلك في توازن السلام والأمن في المنطقة. وتربط أديس أبابا بين الوصول إلى الموانئ وبين أمنها الاقتصادي، إذ إن اعتمادها على ممرات محدودة يرفع كلفة الواردات والصادرات ويجعل اقتصادها عرضة للاضطرابات السياسية في دول العبور.


ويأتي سعي إثيوبيا إلى الوصول السلمي والمتنوع إلى البحر ضمن استراتيجيتها الاقتصادية والأمنية الوطنية الأوسع، وليس مجرد طموح إقليمي. وفي الوقت نفسه، قد يحول استمرار عسكرة المنطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر إلى ساحة تنافس جيوسياسي طويل الأمد. وتلفت «إنا» إلى أن تعدد القوى الإقليمية والدولية المنخرطة في البحر الأحمر يزيد حساسية أي اتفاق أو تحرك يتعلق بالموانئ والقواعد العسكرية وطرق الملاحة.


ومن ثم سيظل حضور إثيوبيا في البحر الأحمر عنصرًا مهمًا في التوازن الاستراتيجي المستقبلي للمنطقة، رغم المعارضة والاتهامات والروايات المتنافسة المحيطة بمساعيها للعودة إلى البحر الأحمر. وترى الوكالة أن تنويع الوصول إلى الموانئ يمكن أن يقلل من هشاشة الاقتصاد الإثيوبي، لكنه قد يثير في المقابل مخاوف لدى دول الجوار التي تخشى تحول الطموح الاقتصادي إلى نفوذ عسكري أو سياسي.


تعكس العلاقات بين إثيوبيا ومصر تنافسًا طويل الأمد تتداخل فيه موارد المياه والتحالفات الإقليمية والمصالح الأمنية والوصول إلى البحر بصورة وثيقة. فمن سياسات النيل والتدخل التاريخي للأطراف الإقليمية إلى الاصطفافات الأمنية والدبلوماسية المعاصرة، تجاوز التنافس حدود النهر نفسه وأصبح جزءًا من المنافسة الجيوسياسية الأوسع في القرن الإفريقي والبحر الأحمر.

 

https://www.ena.et/web/eng/w/eng_9499912